حيدر حب الله

531

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

وأنّ العرب كانت تعيّر بهذا النسب . ومثل هذا النصّ ما ذكره ابن أبي الحديد ، حيث قال : « قدم عمرو بن العاص على عمر وكان والياً لمصر ، فقال له : في كم سرت ؟ قال : في عشرين ، قال عمر : لقد سرت سير عاشق ، فقال عمرو : إنّي والله ما تأبطتني الإماء ولا حملتني في غبرات المآلي ، فقال عمر : والله ما هذا بجواب الكلام الذي سألتك عنه . وإنّ الدجاجة لتفحص في الرماد فتضع لغير الفحل ، وإنّما تنسب البيضة إلى طرقها ، فقام عمرو مربد الوجه . قلت : المآلي : خرق سود يحملها النوائح ويسرن بها بأيديهن عند اللطم ، وأراد خرق الحيص هاهنا وشبهها بتلك ، وأنكر عمر فخره بالأمهات وقال : إنّ الفخر للأب الذي إليه النسب . وسألتُ النقيب أبا جعفر عن هذا الحديث في عمر فقال : إنّ عمرواً فخر على عمر ؛ لأنّ أمّ الخطاب زنجيّة ، وتعرف بباطحلي ، تسمّى صهاك ، فقلت له : وأمّ عمرو النابغة أمةٌ من سبايا العرب ، فقال : أمة عربية من عنزة ، سبيت في بعض الغارات ، فليس يلحقها من النقص عندهم ما يلحق الإماء الزنجيّات . . » ( شرح نهج البلاغة 12 : 39 ) . ولكن يناقش أولًا : لا أرى هذا المنطق منسجماً مع قيم الإسلام ، فما أهميّة أن تكون أمّه من هنا أو هناك حتى نبحث في هذه الأمور ، بقدر ما الأهميّة هي العلم والكفاءة والتقوى ، والملاحظ على كثير من علماء المسلمين وخطبائهم أنّهم ما يزالون يعيشون العقليّة القبليّة والعشائرية والنسبيّة في التفاخر ، مع أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم جعل الفخر بالأنساب تحت قدميه . فقد ورد في الخبر المصحّح عند كثيرين عن محمّد بن حمران ، عن أبيه ، عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال : « ثلاثة من عمل الجاهلية : الفخر بالأنساب ، والطعن في الأحساب ، والاستسقاء بالأنواء » ، ( معاني الأخبار : 326 ) .